ابن كثير

350

البداية والنهاية

عبد الله القرشي ، ويقال له أبو عيسى أيضا الأسدي ، وأمه كرمان بنت أنيف الكلبية ، كان من أحسن الناس وجها ، وأشجعهم قلبا . وأسخاهم كفا ، وقد حكى عن عمر بن الخطاب ، وروى عن أبيه الزبير وسعد وأبي سعيد الخدري ، وروى عنه الحكم بن عيينة وعمرو بن دينار الجمحي ، وإسماعيل بن أبي خالد ، ووفد على معاوية ، وكان ممن يجالس أبا هريرة ، وكان من أحسن الناس وجها ، حكى الزبير بن بكار : أن جميلا نظر إليه وهو واقف بعرفة فقال : إن ههنا فتى أكره أن تراه بثينة ، وقال الشعبي : ما رأيت أميرا على منبر قط أحسن منه ، وكذا قال إسماعيل بن خالد . وقال الحسن هو أجمل أهل البصرة ، وقال الخطيب البغدادي : ولي إمرة العراقين لأخيه عبد الله حتى قتله عبد الملك بمسكن بموضع قريب من أوانا على نهر دجيل عند دير الجاثليق ، وقبره إلى الآن معروف هناك . وقد ذكرنا صفة مقتله المختار بن أبي عبيد ، وأنه قتل في غداة واحدة من أصحاب المختار سبعة آلاف ، قال الواقدي : لما قتل مصعب المختار طلب أهل القصر من أصحاب المختار من مصعب الأمان فأمنهم ، ثم بعث إليهم عباد بن الحصين فجعل يخرجهم ملتفين ، فقال له الرجل : الحمد لله الذي نصركم علينا وابتلانا بالأسر ، يا بن الزبير من عفا عفا الله عنه ، ومن عاقب لا يأمن القصاص ، نحن أهل قبلتكم وعلى ملتكم وقد قدرت فاسمح واعف عنا ، قال : فرق لهم مصعب وأراد أن يخلي سبيلهم ، فقام عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وغيره من كل قبيلة فقالوا : قد قتلوا أولادنا وعشائرنا وجرحوا منا خلقا ، اخترنا أو اخترهم ، فأمر حينئذ بقتلهم ، فنادوا بأجمعهم : لا تقتلنا واجعلنا مقدمتك في قتال عبد الملك بن مروان ، فإن ظفرنا فلكم ، وإن قتلنا لا نقتل حتى نقتل منهم طائفة ، وكان الذي تريد ، فأبى ذلك مصعب ، فقال له مسافر : اتق الله يا مصعب ، فإن الله عز وجل أمرك أن لا تقتل نفسا مسلمة بغير نفس ، وإن : * ( من يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) * [ النساء : 93 ] فلم يسمع له بل أمر بضرب رقابهم جميعهم وكانوا سبعة آلاف نفس ، ثم كتب مصعب إلى ابن الأشتر أن أجبني فلك الشام وأعنة الخيل ، فسار ابن الأشتر إلى مصعب . وقيل إن مصعبا لما قدم مكة أتى عبد الله بن عمر فقال : أي عم : إني أسألك عن قوم خلعوا الطاعة وقاتلوا حتى غلبوا تحصنوا وسألوا الأمان فأعطوه ثم قتلوا بعد ذلك . فقال : وكم هم ؟ فقال : خمسة آلاف ، فسبح ابن عمر واسترجع وقال : لو أن رجلا أتى ماشية الزبير فذبح منها خمسة آلاف ماشية في غداة واحدة ألست تعده مسرفا ؟ قال : نعم : قال : أفتراه إسرافا في البهائم ولا تراه إسرافا في من ترجو توبته ؟ يا بن أخي أصب من الماء البارد ما استطعت في دنياك . ثم إن مصعبا بعث برأس المختار إلى أخيه بمكة وتمكن مصعب في العراق تمكنا زائدا ، فقرر بها الويالات والعمال ، وحظي عنده ابن الأشتر فجعله على الوفادة ، ثم رحل مصعب إلى أخيه بمكة فأعلمه بما فعل فأقره على ما صنع ، إلا ابن الأشتر لم يمض له ما جعله عليه ، وقال له : أتراني أحب الأشتر وهو الذي جرحني هذه الجراحة ، ثم استدعى بمن قدم مع مصعب من أهل العراق فقال لهم : والله لوددت